محمد حسين الذهبي
347
التفسير والمفسرون
التعريف بهذا التفسير وطريقة مؤلفه فيه : قلنا : إن صاحب هذا التفسير شغل كثيرا بالتدريس والقضاء والفتوى ، ولكنه اختلس افراصا من وقته ألف فيها كتابه في التفسير ، قلنا هذا فيما سبق ، والمؤلف نفسه يقرر هذا في مقدمة تفسيره ، ولم يعرف أنه أخرج تفسيره للناس دفعة واحدة ، بل ذكروا أنه ابتدأ فيه ، فلما وصل إلى آخر سورة ( ص ) عرض له من الشواغل ما جعله يقف في تفسيره عند هذا الحد ، فبيض ما كتب في شعبان سنة 973 ه ثلاث وسبعين وتسعمائة من الهجرة ، ثم أرسله إلى الباب العالي ، فتلقاه السلطان سليمان خان بحسن القبول ، وأنعم عليه بما أنعم ، وزاد في وظيفته كل يوم خمسمائة درهم ، ثم تيسر له بعد ذلك إتمامه ، فأتمه بعد سنة ، ثم أرسله إلى السلطان ثانيا بعد إتمامه ، فقابله السلطان بمزيد لطفه وإنعامه ، وزاد في وظيفته مرة أخرى . والحق أن هذا التفسير غاية في بابه ، ونهاية في حسن الصوغ وجمال التعبير كشف فيه صاحبه عن أسرار البلاغة القرآنية ، بما لم يسبقه أحد إليه ، ومن أجل ذلك ذاعت شهرة هذا التفسير بين أهل العلم ، وشهد له كثير من العلماء بأنه خير ما كتب في التفسير ، فصاحب العقد المنظوم في ذكر أفاضل الروم ، يقول عنه في كتابه « وقد أتى فيه بما لم تسمح به الأزمان ، ولم تقرع به الآذان ، فصدق المثل السائر كم ترك الأول للآخر » . وصاحب الفوائد البهية ، في تراجم الحنفية يقول « وقد طالعت تفسيره وانتفعت به وهو تفسير حسن ، ليس بالطويل الممل ، ولا بالقصير المخل ، متضمن لطائف ونكات ، ومشتمل على فوائد وإشارات » ونقل عن صاحب الكشف أنه قال « انتشرت نسخه في الأقطار ، ووقع له التلقي بالقبول من الفحول الكبار ، لحسن سبكه وصدق تعبيره ، فصار يقال له خطيب المفسرين . ومن المعلوم أن تفسير أحد سواه بعد الكشاف والقاضي لم يبلغ إلى ما بلغه من رتبة الاعتبار « 1 » .
--> ( 1 ) الفوائد البهية ص 82 .